الشيخ محمد اليزدي
46
فقه القرآن
ويتطهّر من الخبث بالماء أيضا بعد عرفية الامر وعقلائيته لقوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ( الأنفال [ 8 ] الآية 11 ) وقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( الفرقان [ 25 ] الآية 49 ) « 1 » . والمطهّر هنا ما صدق عليه الاسم من غير فرق بين المطر وماء البحر والنهر والبئر لاطلاق الآية ، والأخيران أيضا منزلان من السماء ، وماء البحر لا يصدق معه : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فلا يطهّر غير الماء من المضاف لمقام الامتنان . والحاصل انه لا يجب التطهير من الخبث إلّا لما يشترط فيه الطهارة من الحدث - كالصلاة كما عرفت - والطواف - كما سيأتي الحديث عنه في الحج إن شاء الله - ، ومسّ كتابة القرآن لو قلنا بدلالة قوله تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 2 » عليه كما لا يبعد « 3 » ، اخذا بالإطلاق وان كان الطاهر غير المطهّر « 4 » . واما وجوب التطهّر في المأكول والمشروب والاناء المتناول فيها فلحرمة أكل الخبائث تكليفا كما سيأتي البحث عنه في باب الأطعمة والأشربة إن شاء الله ، قال تعالى : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ( الأعراف [ 7 ] الآية 33 ) ولتقييد الحلال في كثير من الآيات بالطيّب . . . : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ( المائدة [ 5 ] الآية 5 ) وحرمة الأكل غير وجوب التطهير في اعتبار التكليف . وفي الحقيقة ان أكل النجس وشربه حرام لا أن تطهيره واجب فإنه مقدّم يحكم به العقل كما هو ظاهر .
--> ( 1 ) - الظاهر أن الأولى ناظرة إلى أمر آخر من منّ اللّه تعالى عليهم بانزال الماء عليهم في ظرف الحاجة بعد الفراغ عن كونه مطهرا عن الحدث والخبث كما في توصيف الثانية فلا تأسيس في الأصل ، والخصوصيات راجعة إلى السنّة فلا يتم الاستدلال بهما لاثبات المطهرية ؛ والأمر سهل . ( 2 ) - الواقعة [ 56 ] الآية 79 . ( 3 ) - فان هذا القرآن نزل تبيانا لكل شيء وهو ظاهر غير مكنون ، والذي لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ هو القرآن الكريم فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يدركه ولا يمسّه إلّا الطاهرون المطهّرون بالمعنوية من الطهارة . ( 4 ) - فان الأول يطلق على مغسول الظاهر دون الثاني المستعمل في طاهر الباطن كثيرا في الكتاب .